مال و اعمال

الدولار مقابل الجنيه يقترب من 50 بعد أول يومين من الحرب

شهد سعر الدولار مقابل الجنيه تحركاً لافتاً خلال أول يومي تداول بعد اندلاع الحرب، مع اقتراب العملة الأميركية من مستوى 50 جنيهاً لأول مرة منذ يوليو 2025. هذا التراجع في الجنيه جاء مدفوعاً بخروج جزئي لبعض المستثمرين الأجانب من أدوات الدين المحلية، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة.

ورغم حدة الحركة، يرى مصرفيون أن ما يحدث لا يزال ضمن الحدود الآمنة، ولا يرقى إلى موجة تخارج جماعي كما حدث في أزمات سابقة.

تراجع قياسي في بداية التعاملات

بحسب بيانات البنك الأهلي المصري، فقدت العملة المحلية أكثر من 1.80 جنيه مقارنة بنهاية تعاملات الخميس الماضي. وسجل السعر في بداية التعاملات 49.7 جنيهاً للشراء و49.8 جنيهاً للبيع، قبل أن يقلص خسائره بنهاية اليوم إلى 49.17 للشراء و49.27 للبيع.

ورغم هذا التراجع، لا يزال السعر قريباً من أعلى مستوياته خلال ستة أشهر، ما يعكس حالة من التذبذب أكثر من كونه انهياراً حاداً.

لماذا تحرك السعر بهذه السرعة؟

سوق الصرف يتأثر بعاملين رئيسيين:

  1. العرض والطلب على الدولار.
  2. تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.

مع تصاعد المخاطر الإقليمية، اتجه بعض المستثمرين الأجانب إلى تخفيض انكشافهم على أدوات الدين المحلية، ما زاد الطلب على الدولار مؤقتاً ودفع السعر للارتفاع.

نشاط قوي في سوق الإنتربنك

أحد أبرز المؤشرات على الضغط المؤقت كان القفزة الكبيرة في تعاملات سوق الإنتربنك بين البنوك. فقد ارتفعت قيمة التعاملات إلى 600 مليون دولار في أول يوم عمل بعد العطلة الأسبوعية، مقارنة بـ180 مليون دولار في الأحد السابق، أي بزيادة بلغت 233%.

هذا النشاط يعكس:

  • زيادة طلب البنوك على العملة الأجنبية لتلبية احتياجات العملاء.
  • إدارة السيولة الناتجة عن تخارجات جزئية.
  • محاولة استيعاب الصدمة الأولى للأسواق.

ومع ذلك، يؤكد مصرفيون أن التدفقات الخارجة لا تزال محدودة مقارنة بما شهدته البلاد في فبراير 2022، حين خرجت استثمارات أجنبية بنحو 22 مليار دولار خلال ستة أشهر.

ليس انسحاباً كاملاً

يرى خبراء في أسواق النقد أن ما يحدث حالياً هو إعادة موازنة للمحافظ الاستثمارية، وليس خروجاً شاملاً من السوق المصرية. فمصر ليست طرفاً مباشراً في الصراع، ما يقلل من احتمالية حدوث موجة بيع جماعي.

ويشير بعضهم إلى أن العملة قد لا تتجاوز المستوى القياسي السابق عند 51.73 جنيهاً الذي سُجل في أبريل الماضي، بل قد تعود للتراجع إلى ما دون 48 جنيهاً إذا انحسرت التوترات سريعاً.

كيف يتحرك سعر الصرف صعوداً وهبوطاً؟

لفهم الصورة بشكل أعمق، من المهم معرفة آلية تحرك السعر:

عند ارتفاع الدولار:

  • يزداد الطلب عليه من المستثمرين أو المستوردين.
  • تقل تدفقات النقد الأجنبي.
  • ترتفع تكلفة الاستيراد، ما قد ينعكس على الأسعار المحلية.

عند انخفاض الدولار:

  • تزداد تدفقات العملة الأجنبية.
  • يتحسن المعروض من الدولار في السوق.
  • تتراجع الضغوط التضخمية المرتبطة بالواردات.

التحركات الأخيرة تعكس مزيجاً من العوامل النفسية والاقتصادية، حيث تتفاعل الأسواق بسرعة مع الأخبار، حتى قبل ظهور تأثيرات فعلية على الاقتصاد الحقيقي.

أول اختبار حقيقي لمرونة العملة

خلال الأشهر الثمانية الماضية، تحسن أداء العملة المحلية بدعم من:

  • زيادة تدفقات السياحة مع موسم الصيف.
  • تحسن الصادرات.
  • جذب استثمارات أجنبية قوية في أذون الخزانة.

فقد نجحت مصر خلال أول 19 شهراً من تحرير سعر الصرف في جذب نحو 30 مليار دولار استثمارات أجنبية في أدوات الدين، ليصل الرصيد إلى نحو 45 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي.

التحرك الحالي يمثل اختباراً فعلياً لمرونة السوق وقدرته على امتصاص الصدمات دون العودة إلى اختناقات حادة في النقد الأجنبي.

المخاطر المحتملة إذا طال أمد الحرب

رغم الطمأنينة النسبية، تبقى هناك مخاطر قائمة إذا استمر الصراع لفترة أطول. من أبرز هذه المخاطر:

  • تعطل حركة الشحن البحري والجوي.
  • ارتفاع أسعار النفط والطاقة.
  • زيادة معدلات التضخم عالمياً.
  • تراجع شهية المستثمرين للأسواق الناشئة.

في حال استمرار الحرب لأسبوعين إضافيين أو أكثر، قد يتجاوز الدولار مستوى 50 جنيهاً بشكل مؤقت، خاصة إذا تصاعدت التخارجات أو ارتفعت أسعار الطاقة بقوة.

لكن في المقابل، إذا هدأت الأوضاع سريعاً، فمن المرجح أن تعود التدفقات تدريجياً، ما يدعم استقرار السوق.

بين العوامل الداخلية والخارجية

اللافت أن العوامل الداخلية حالياً تبدو أكثر استقراراً مقارنة بأزمات سابقة. الاحتياطات الأجنبية أقوى، والسياسة النقدية أكثر مرونة، والسوق أصبح أكثر اعتياداً على تقلبات سعر الصرف.

إلا أن الاقتصاد المصري، مثل غيره من الاقتصادات الناشئة، يظل حساساً للتحركات العالمية، خاصة في ما يتعلق بأسعار الفائدة الأميركية وأسعار النفط.

لذلك، فإن مسار العملة في المرحلة المقبلة سيعتمد على توازن دقيق بين:

  • تطورات الحرب إقليمياً.
  • اتجاهات أسعار الطاقة.
  • قرارات السياسة النقدية العالمية.
  • استمرار تدفقات الاستثمار والسياحة.

ختاما

اقتراب العملة الأميركية من مستوى 50 جنيهاً خلال يومين فقط يعكس سرعة تفاعل الأسواق مع التطورات الجيوسياسية، لكنه لا يعني بالضرورة دخول الاقتصاد في أزمة جديدة. التحركات الحالية تبدو أقرب إلى تصحيح مؤقت مدفوع بتخارجات جزئية، في ظل بيئة عالمية مضطربة. قدرة السوق على استيعاب هذه الصدمة ستتضح أكثر خلال الأيام المقبلة، مع ترقب المستثمرين لأي إشارات تهدئة قد تعيد الاستقرار تدريجياً إلى سوق الصرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى