منوعات

مصحف من سوريا العثمانية يوثق لحظة تاريخية في نيويورك

تتصدر مدينة نيويورك واجهة أخبار امريكا مجدداً، ولكن هذه المرة ليس فقط بسبب تقلبات البورصة أو صخب الشوارع، بل من خلال حدث ثقافي وسياسي فريد يجمع بين التاريخ الإسلامي العريق والحداثة الأمريكية.

فقد لفت العمدة الجديد زهران ممداني الأنظار باستخدامه نسخة نادرة من القرآن الكريم تعود إلى القرن الثامن عشر لأداء اليمين الدستورية، مما دفع مكتبة نيويورك العامة لتنظيم معرض خاص يحتفي بهذه المخطوطة التاريخية تحت عنوان “مصحف الشعب: صناعة التاريخ في مبنى البلدية”، ليكون متاحاً لجمهور المدينة لفترة محدودة في القاعة الرئيسية للمكتبة.

تاريخ المخطوطة ورحلتها من سوريا العثمانية

مصحف من سوريا العثمانية يوثق لحظة تاريخية في نيويورك
مصحف من سوريا العثمانية يوثق لحظة تاريخية في نيويورك

يعود تاريخ هذا المجلد الفريد إلى أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وقد كُتب في سوريا إبان العصر العثماني. يتميز المصحف باستخدامه للحبر الأسود التقليدي مع تمييز دقيق لبعض أجزاء النص باللون الأحمر الجذاب، وهو ما كان شائعاً في تلك الحقبة لتسهيل القراءة وتوضيح علامات التوقف والتجويد.

ما يميز هذه النسخة هو ابتعادها عن البذخ المبالغ فيه أو الزخارف المذهبة المعقدة؛ فهي مكتوبة بخط النسخ الواضح، وهو نمط من الخط العربي المتصل الذي يسهل على القارئ العادي استيعابه. يعكس هذا الاختيار الروح العملية للمخطوطة، حيث يبدو أنها كانت مخصصة للاستخدام اليومي والتدبر المستمر، وليست مجرد قطعة زينة للعرض في القصور.

أرتورو شومبورغ: حارس الثقافة الذي حفظ الأمانة

على الرغم من أن هوية المالك الأصلي للمصحف في سوريا ظلت مجهولة، إلا أن وصوله إلى نيويورك كان بفضل المؤرخ الشهير أرتورو شومبورغ. كان شومبورغ، وهو من أصول بورتوريكية، شخصية محورية في عصر نهضة هارلم، وكرس حياته لجمع الكتب والمخطوطات التي تبرز إسهامات الشعوب ذات الأصول الأفريقية والإسلامية في الحضارة العالمية.

باع شومبورغ مجموعته التي تضم أربعة آلاف كتاب إلى مكتبة نيويورك العامة في عام 1926، ومن ضمنها كان هذا القرآن العثماني. ومن المثير للاهتمام أن شومبورغ لم يكن مسلماً، لكنه أدرك القيمة التاريخية والثقافية لهذه المخطوطة كجزء من التراث الإنساني المشترك. اليوم، يحمل مركز أبحاث الثقافة الأفريقية اسمه، ويظل المصحف أحد أثمن مقتنيات هذا المركز.

كواليس حفل التنصيب واختيار المصاحف

أصبح ممداني، البالغ من العمر أربعة وثلاثين عاماً، أول رئيس بلدية في تاريخ نيويورك يؤدي اليمين على القرآن الكريم. لم يقتصر الأمر على مصحف واحد، بل استخدم ثلاثة مصاحف في مراسم متنوعة:

  1. مصحف شومبورغ: النسخة السورية الصغيرة التي وُضعت فوق مصحف آخر.
  2. مصحف الجد: نسخة حمراء كبيرة كانت ملكاً لجده، استُخدمت في مراسم خاصة بمحطة مترو “سيتي هول” المغلقة منذ عام ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين.
  3. مصحف موروث: استخدمه في الحفل العام الذي ترأسه السيناتور بيرني ساندرز خارج مبنى البلدية.

جاء اختيار هذه المصاحف بعد مشاورات عميقة مع زوجته راما دواجى ومستشارته زارا رحيم، بالإضافة إلى هبة عابد، أمينة قسم دراسات الشرق الأوسط في المكتبة، لضمان أن تحمل هذه اللحظة أبعاداً رمزية تمثل الشمولية والتمثيل الثقافي الواسع لسكان المدينة.

مقارنة تاريخية: النصوص التي أقسم عليها العمد السابقون

لا يفرض القانون في نيويورك أداء اليمين على نص ديني محدد، لكن التقاليد جعلت من “الإنجيل” الخيار الأكثر شيوعاً. إليكم لمحة عن اختيارات بعض أسلاف ممداني:

العمدةالنص المستخدمملاحظات إضافية
إريك آدامزإنجيل والدته الراحلةكان يحمل صورتها الشخصية كرمز للوفاء
بيل دي بلاسيوإنجيل فرانكلين روزفلتللتعبير عن توجهاته السياسية والاجتماعية
مايكل بلومبيرغالتوراة (الإنجيل اليهودي)استخدم نفس النسخة من حفل بلوغه الديني
زهران ممدانيالقرآن الكريم (3 نسخ)رمز للتمثيل الإسلامي والارتباط التاريخي

المصاحف الثلاثة في حفل تنصيب ممداني

استخدم ممداني ثلاث نسخ مختلفة من القرآن الكريم للربط بين تاريخ مدينة نيويورك وبين إرثه العائلي الشخصي:

  • مصحف شومبورغ الأثري: نسخة نادرة كُتبت في سوريا العثمانية (القرن 18)، استعارها من مكتبة نيويورك العامة لترمز إلى العمق التاريخي والشمولية الثقافية للمدينة.
  • مصحف الجد (النسخة الحمراء): مصحف عائلي خاص بجد ممداني، وُضع تحت مصحف شومبورغ خلال مراسم أداء اليمين “الخاصة” التي جرت في محطة مترو “سيتي هول”.
  • مصحف الأجداد: نسخة أخرى ورثها عن أجداده، وأقسم عليها في الحفل الجماهيري العام الذي أقيم خارج مبنى البلدية برئاسة السيناتور بيرني ساندرز.

الجدل السياسي: من فنزويلا إلى قضايا الشرق الأوسط

لم تكن بداية ولاية ممداني هادئة على الصعيد السياسي؛ فقد أثار الجدل بتصريحاته حول فنزويلا، حيث انتقد قيام الجيش الأمريكي بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، واصفاً الخطوة بأنها “هجوم أحادي وعمل حربي” ينتهك القانون الدولي. يرى ممداني أن مثل هذه التحركات تؤثر مباشرة على الجالية الفنزويلية الكبيرة في نيويورك، والتي فرت من بلادها بحثاً عن الاستقرار.

وعلى صعيد آخر، قام ممداني في أول أيام ولايته بإلغاء أوامر تنفيذية أصدرها سلفه إريك آدامز، تتعلق بمنع مقاطعة إسرائيل واعتماد تعريفات محددة لمعاداة السامية. جادل ممداني بأن هذه الأوامر استُخدمت أحياناً لإسكات المدافعين عن حقوق الفلسطينيين، مؤكداً في الوقت نفسه التزامه بمكافحة جرائم الكراهية وحماية الجالية اليهودية في المدينة من أي اعتداءات.

رؤية اشتراكية لمستقبل نيويورك

فاز ممداني، الذي ينتمي للجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، بفضل وعوده الانتخابية الجريئة التي ركزت على جعل الحياة في نيويورك أكثر يسراً. تضمنت خطته:

  • تجميد الإيجارات: لمليون أسرة تواجه صعوبات معيشية.
  • الإسكان: بناء مئتي ألف وحدة سكنية بأسعار معقولة بحلول عام ألفين وثلاثين.
  • الضرائب: زيادة الضرائب على أصحاب الملايين والشركات الكبرى لتمويل الخدمات العامة مثل رعاية الأطفال المجانية والحافلات العامة.

تلقى هذه الرسائل صدى واسعاً لدى جيل الشباب والمتطوعين الذين لم يسبق لهم الانخراط في العمل السياسي، مما خلق حركة جماهيرية دفعت به إلى سدة الحكم في واحدة من أهم مدن العالم.

في الختام

يمثل عرض المصحف السوري في مكتبة نيويورك العامة أكثر من مجرد معرض تاريخي؛ إنه اعتراف رسمي بالتنوع الذي يشكل هوية المدينة المعاصرة. إن رحلة هذه المخطوطة من دمشق العثمانية إلى منصة تنصيب عمدة نيويورك تلخص قصصاً طويلة من الحفاظ على المعرفة والوعي المدني.

وبينما يواجه ممداني تحديات سياسية واقتصادية جسيمة، تظل تلك المخطوطة البسيطة بخط نسخها الواضح تذكيراً دائماً بأن التاريخ يُصنع عندما تلتقي التقاليد العريقة مع الرؤى الطموحة للمستقبل، في مدينة لا تتوقف أبداً عن إعادة ابتكار نفسها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى